أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
470
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 63 إلى 65 ] قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) قوله : نَسِيا . الظاهر نسبة النسيان إلى موسى وفتاه ، يعني : نسيا تفقّد أمره ، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه ، وقيل : نسي موسى أن يأمره بالإتيان به ، ونسي يوشع أن يفكّره بأمره ، وقيل : الناسي يوشع فقط ، وهو على حذف مضاف ، أي : نسي أحدهما ، كقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ « 1 » . قوله : فِي الْبَحْرِ سَرَباً سربا : مفعول ثان ل « اتّخذ » ، و « فِي الْبَحْرِ » يجوز أن يتعلق ب « اتّخذ » ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول الأول أو الثاني ، والهاء في « سَبِيلَهُ » تعود على « الحوت » ، وكذا المرفوع في « اتّخذ » . قوله : جاوَزا . مفعول محذوف ، أي : جاوزا الموعد ، وقيل : جاوزا مجمع البحرين . قوله : « هذا » إشارة إلى السفر الذي وقع بعد مجاوزتهما الموعد ، جمع البحرين ، « و نَصَباً » المفعول ب « لَقِينا » . والعامة على فتح النون والصاد « نَصَباً » ، وعبد اللّه بن عبيد بن عمير بضمهما ، وهما لغتان لغات أربع في هذه اللفظة ، كذا قال أبو الفضل الرازي في قوله : أَ رَأَيْتَ . قد تقدم الكلام فيها مشبعا في الأنعام « 2 » . وقال أبو الأخفش - هنا - فيها كلاما حسنا ، رأيت نقله ، وهو : أن العرب أخرجتها عن معناها بالكلية ، فقالوا : أرأيتك وأريتك ، بحذف الهمزة إذا كانت بمعنى : أخبرني ، وإذا كانت بمعنى : أبصرت لم تحذف همزتها ، وشذت أيضا فألزمها الخطاب على هذا المعنى ، ولا تقول فيها أبدا : « أراني زيدا عمرا ما صنع » وتقول هذا على معنى أعلم ، وشذت أيضا ، فأخرجتها عن موضعها بالكلية ، بدليل دخول الفاء ، ألا ترى قوله : « أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي » فما دخلت الفاء إلّا وقد أخرجت إلى المعنى أمّا ، أو تنبّه . والمعنى : أمّا إذ أوينا إلى الصخرة ، فإني نسيت الحوت ، وقد أخرجتها إلى معنى أخبرني كما قدمنا ، وإذا كانت بمعنى أخبرني ، فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه ويلزم من الجملة التي بعدها الاستفهام ، وقد تخرج لمعنى : « أمّا » ، ويكون « أبدا » بعدها الشرط وظروف الزمان ، فقوله : « فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ » معناه : أما إذ أوينا فإني ، أو إذ أوينا ، وليست الفاء إلا جوابا ل « أَ رَأَيْتَ » ، لأنّ « إِذْ » لا يصح أن يجازي بها ، إلّا مقرونة ب « ما » بلا خلاف » . « 3 » وقال الزمخشري : أرأيت بمعنى أخبرني ، إن قلت : ما وجه التئام هذا الكلام ؟ فإنّ كلّ واحد من « أَ رَأَيْتَ » ، ومن « إِذْ أَوَيْنا » ، ومن « فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ » لا متعلق له ؟ قلت : لما طلب موسى الحوت ، ذكر يوشع ما رأى منه ، وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية ، ودهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك ، كأنه قال : أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ، فحذف ذلك » . قال الشيخ « 4 » : « وهذان مقصودان في تقدير الزمخشري ، « أَ رَأَيْتَ » بمعنى أخبرني » . يعني بهذين وتقدم في
--> ( 1 ) سورة الرحمن آية ، ( 22 ) . ( 2 ) آية ، رقم ( 40 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 145 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 146 ) .